21 - 08 - 2019

إلى الرئيس السيسي.. "اعمل الصح"

إلى الرئيس السيسي..

بدا من المناقشات التي جرت في لجنة الشئون التشريعية والدستورية بالبرلمان الأسبوع الماضي، أن أصحاب مقترح التعديلات الدستورية تراجعوا خطوة أو خطوتين للخلف، فيما يخص المواد الخاصة بمدة الرئاسة، تحت ضغوط فسرها البعض بحالة الرفض العام للمقترح الأصلي باعتباره يفتح الباب أمام "تأبيد السلطة وتركيزها في قبضة رئيس الجمهورية"، أو بفعل تأثير ما يجري في الجزائر والسودان على قناعات أصحاب القرار.

في بداية طرح التعديلات على الرأي العام، دافع أصحابها عن مقترح تعديل المادة "140" من الدستور بما يسمح بزيادة فترة الرئاسة الواحدة إلى 6 سنوات بدلا من 4، مع الالتزام بالمدتين الرئاسيتين كحد أقصى، واستحداث مادة انتقالية تتيح للرئيس الحالي الاستفادة من التعديل، رغم تعارض هذا الاقتراح نص المادة 226 من الدستور التي تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات.

تبارى معظم نواب البرلمان ومن خلفهم "كتائب الموالاة" في تبرير مقترح "تصفير العداد" بما يسمح للرئيس السيسي بالترشح لفترتين جديدتين، ما يمكنه من البقاء في الحكم إلى 2034، وذلك ليتمكن من "استكمال الإنجازات والمشروعات التي بدأها، ولأن البلد لا يوجد بها من يحل محله"، وهاجموا معارضي التعديلات ووصل الأمر إلى تخوينهم واتهامهم بالاستقواء بالخارج.

مناقشات الأسبوع الماضي، كشفت تغيرا في توجهات أصحاب القرار، وبدا من كلام رئيس البرلمان الدكتور علي عبد العال، وعدد من نوابه، أن هناك إعادة نظر في وجود المادة الانتقالية، التي كانت النية مبيتة لإقحامها بما يخالف كل قواعد تعديل أي دستور، ويجعل من الدولة المصرية "أضحوكة الأمم".

أوضح الحوار الذي دار بين رئيس البرلمان والنائبين محمد عبد البديع ومحمد العتماني أن هناك اتجاه لأن تنص المادة 140 على زيادة فترة الرئاسة إلى 6 سنوات على "أن تسري هذه التعديلات على الرئيس الحالي بالأثر الرجعي والمباشر"، أي منح الرئيس 4 سنوات إضافية في الحكم بعد انتهاء ولايته الثانية على أساس عامين لكل ولاية من الولايتين، ما يعني أن في حال الموافقة على التعديلات فأن الرئيس سيستمر إلى 2026 دون انتخابات.

أصحاب المقترح الأخير الذي يحاولون الوصول إلى صيغة يظنون إنها سترضي الرأي العام وتوقف الضغوط، لا يعلمون أن إقحام أي نص للمادة 140 بما يسمح للرئيس الحالي بالاستمرار في الحكم بعد 2022، هو إجراء باطل وما يترتب عليه يؤثر في شرعية الرئيس إذا استمر في الحكم بعد انتهاء ولايته، فالرئيس الحالي تم انتخابه لفترتين رئاسيتين بناء على قواعد ونصوص وضعت وحددت سلفا، هذه القواعد تمثل العقد الذي وقعه الرئيس مع شعبه، وأي مخالفة لبنود هذا العقد تجعله هو والعدم سواء.

لقد أقسم رئيس البرلمان في أكثر من موضع أن التعديلات المقترحة نبت خالص لمجلسه، وأن لا علاقة لرئيس الجمهورية بها، وحتى هذه اللحظة لم يتورط الرئيس بكلمة علنية واحدة تشير إلى موافقته على تلك التعديلات، بل بالعكس فقد تعهد قبل ترشحه لولاية ثانية نهاية 2017 بالالتزام بفترتين، وقال بالنص في حوار مع شبكة CNBC الأمريكية "أنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين؛ مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام.. وأنا لستُ مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة".

يا سادة، القوانين لا تطبق بأثر رجعي، فما بالكم بالدساتير التي وَضعت قواعد الحكم وأُنشئت على نصوصها وموادها مؤسسات الدولة، ونظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

الرئيس السيسي.. المخلصون لهذا الوطن يدعونك إلى التبرؤ علنا من العبث بالدستور، فالتلاعب في قواعد اللعبة قد يؤدي بنا إلى هزات نحن في غنى عنها، وحتى يتحقق الاستقرار فعليك الالتزام بما تعهدت به أمام شعبك، فلقد أكدت أنك لست مع أي تعديل وأنك ملتزم بفترتين، والشعب صدقك وانتخبك بناء على هذا الوعد، فلا تحنث بوعدك، والأولى بك أن تحول مواد ونصوص الدستور إلى واقع ملموس.

الرئيس السيسي.. ما يجري في المنطقة حولنا يحتم عليك إعادة النظر في معظم السياسات التي أثارت السخط عند عموم الناس، حتى لا يتزايد منسوب الغضب يوما بعد يوم بفعل الأوضاع الاقتصادية من ناحية، وإصرار البعض على العبث بالدستور من ناحية أخرى.

الرئيس السيسي.. لا سبيل لبناء الدولة إلا بمراجعة كل أخطاء المرحلة السابقة، فعليك بفتح المجال العام، وفتح صفحة جديدة مع كل مكونات المجتمع، وتعزيز المشاركة السياسية بإعداد قانون للانتخابات البرلمانية يفتح باب أمام وصول المعارضين قبل الموالاة إلى البرلمان، وغل يد السلطة وأجهزتها عن الإعلام بما يسمح بالتنافس بين الأفكار والمشروعات والبرامج لتكون مراكز الاقتراع وصناديقه وليس الشارع والميدان هي الطريق للتغيير وتداول السلطة سلميا.

الرئيس السيسي.. شارك في صنع ألف بديل سياسي وطني أمام الشعب، لأنه بدون صناعة البدائل السياسية في إطار قواعد الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة القائمة على الحرية والعدالة والمساواة، تضع حاضر ومستقبل مصر التي أقسمت على رعايتها ورعاية مصالح شعبها في مهب الريح.
----------------------
بقلم: محمد سعد عبد الحفيظ

مقالات اخرى للكاتب

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

أهم الأخبار

اعلان