16 - 07 - 2019

بين "أغنيه على الممر".. ورقيب فى الممر

بين

أخيرا سمحت لى الظروف أن أشاهد فيلم الممر.. فيلم "الدراما العسكرية" الذي صاحبت عرضة ضجة كبيرة لم تحدث لأي فيلم فى تاريخ السينما المصرية.. من إشادة وتعظيم جعلتني متلهفة لرؤية هذا العمل الذي قيل إنه من أعظم الأعمال السينمائية في تاريخها، وساتناوله بالتحليل بكل حيادية برغم يقينى بان هناك سهاما أو حربا في انتظاري.

الفيلم يؤرخ للفترة من يونيو 1967 حتى 1968.. العبور من الهزيمة للنصر...  ففي الحياة يمر الانسان بمراحل الانكسار والهزيمة، وأحيانا لمدة طويلة يكاد يفقد الأمل فى بعض الأوقات، ومع مرور الوقت والتفكير والهدوء يصل إلى مبتغاه أو إلى النور فى آخر الممر، ومن هنا جاء اختيار اسم الفيلم.

 يحكى الفيلم عن قصص وبطولات القوات المسلحة أثناء حرب الاستنزاف، من خلال شخصية نور الذي يجسدها أحمد عز، فضلا عن تعريف الأجيال الجديدة ببطولات  الجيش المصرى وصلابته في الدفاع عن الأراضي المصرية.

الأبطال أحمد عز، أحمد رزق، إياد نصار، أحمد فلوكس، محمد فراج، أحمد صلاح حسنى، محمد الشرنوبي، محمد جمعة، محمود حافظ، أمير صلاح الدين، أسماء أبو اليزيد والوجه الجديد ألحان المهدى. كما يضم الفيلم هند صبرى، شريف منير، أنعام سالوسة وحجاج عبد العظيم كضيوف شرف لم يتقاضوا أجورا 

الموسيقى التصويرية للموسيقار عمر خيرت، التأليف والإخرج شريف عرفة، وشارك فى كتابة السيناريو والحوار أمير طعيمة، المنتج هو هشام عبد الخالق

أرى أن الغرض من إنتاج الفيلم هادف ونبيل، لكن ما أزعجنى هو الإسراف الباهظ الذي وصل إلي مايقرب من 100 مليون جنيه، وهو رقم لم يحدث من قبل في تاريخ السينما المصرية، ولا أعرف لماذا!؟

أعلم أن إبراز دور مؤسستنا العسكرية والتحول من أفلام التفاهة "السبكى ورمضان" إلي سينما تقدم قيمة ومحتوي هو أمر عظيم، ولكن كان من الممكن أن تخفض تكلفة إنتاجه، وكم كنت أتمنى أن يتنازل أبطال الفيلم عن أجورهم.

ففكرة العودة لأفلام الدراما العسكرية فكرة ممتازة، اختفت لسنوات طويله، وكبداية أعتبرها جيده جدا لكنها ليست الأفضل، فقد سبقه من قبل فيلم "أغنية علي الممر" للمخرج علي عبد الخالق وبطولة كوكبة من النجوم علي رأسها محمود مرسي ومحمود ياسين وأحمد مرعي وصلاح السعدني، ورغم أن الفيلم لم يلق وقتها النجاح المطلوب في دور السينما وتعرض لخسائر فادحة، لكن يبقي علي مستوي النقاد والجوائز من الأفلام الرائعة، ورغم الفارق بين "أغنية علي الممر" بإنتاجه الفقير و"الممر" بإنتاجه الضخم، يبقي المستوي الفني هو الحكم بين الفيلمين 

 الفيلمان يدوران حول نفس الفترة الزمنية، وهي هزيمة 67 وما تلاها من تخبط وعشوائية في اتخاذ القرارات والدخول في نفق اليأس والإحباط والمحاولات المضنية، التي تبذلها المؤسسة العسكرية، لرفع الروح المعنوية للجنود علي الجبهة والشعب في الشوارع .

"الممر" رغم تكلفتة الباهظة وحشد كل قوة الاعلام لتسويقه علي أنه تحفة فنية قلما تتكرر، إلا أنه فيلم أقل من المتوسط، فمن السهل اللعب علي مشاعر الوطنية وبث روح الانتماء والحب لمؤسسة ما، إلا أنه من الصعب أن تقنع الجمهور بأن ما يرونه علي الشاشة رائع وممتع. 

فاختيار أحمد عز غير مناسب، وأمير كرارة أو السقا أو كريم عبد العزيز هم الأنسب، وعلمت بالفعل أن الاختيار الأول كان لأمير كرارة، لكن لا أعرف ما الذي حدث قبل استبداله بأحمد عز، رغم أن التكوين الجسماني والكاريزما وصورة القائد الشجاع تنطبق علي كرارة أكتر من عز .

لم استمتع بالصورة في أكثر المشاهد، لأنها صورة حاول المخرج أن تكون مرتبكة وعشوائية، لإيصال الحالة التي كان عليها الجيش في تلك الفترة، ولكنى شاهدت تصميما وتنفيذا للمعارك الحربية بتقنية وجودة ممتازة، وساعد فى ذلك إمداد القوات المسلحة لصناعه، بأسلحة حقيقة خلقت جو معارك حقيقية. واستمتعت أكثر بموسيقي تصويرية رائعة للمبدع عمر خيرت.

ورغم أن هناك رسالة، حاول مخرج العمل إيصالها لجيل كامل من شباب الانترنت، بقيمة جيشهم، إلا أنها ضلت طريقها ولم تؤد هدفها المنشود، فالانتماء يبدأ من البيت والمدرسة والجامعة والإعلام ثم الفن الناعم، ولا ننسى أن هناك أجيالا كبرت على أفلام رمضان والسبكى .. بكل مافيها من دعارة وبلطجة ومخدرات.

أما أكثر السلبيات التي أثرت، من وجهة نظري، في صناعة الفيلم.. فهى يد الرقيب التي تدخلت وأضافت وحذفت، فهناك إساءة واضحة ومتعمدة وتسفيه لدور المراسل العسكرى، ودور الصحافة المصرية في توثيق وتسجيل ما دار على أرض معارك الاستنزاف وجبهات القتال، رغم أنه بالعودة إلى أرشيف الصحف فى تلك الفترة الزمنية، نرى جهدا متميزا للصحافة العسكرية فى نشر كل الأخبار والبطولات للناس.. ومن الواضح أن الرقيب يكره الاعلام ويريد ظهوره بهذا الشكل الضعيف، فرأيت، فى هذه الجزئية، يده تمتد وتملى على الكاتب هذه الفقرة المحزنة.. وأرى أن الاعلام والفن لن يري النور إلا بغل يد الرقيب عنهما للأبد حتى نتمكن من الإبداع.

الفيلم لم يقم بتجسيد حقيقي لجوانب قضية الانسحاب، والقرارات العشوائية المتسببة في نكسة 67، ولم يلق الضوء على حالة الاستعدادات والتغييرات التي طرأت على العقيدة القتالية للقوات المسلحة.. وبرغم من أنه سيناريو ضعيف، لكن خلق حالة وجدانية لمعركة حربية كنا فى أشد الاحتياج لها، وهي حالة لم يعتدها جمهور أفلام السبكي وخالد يوسف .

الفيلم بوجة عام  دون المستوى الحقيقي لأفلام المعارك الحربية، فالمخرج الكبير شريف عرفه لدية أكثر من هذا بكثير، وماحدث للفيلم  من ضجة إعلامية ومحاولة تسويق كبيرة، هى ضجة قام بها كالعادة المطبلون الذين يجيدون التطيبل حتي ولو علي حساب الرأي العام ، فهم اجتهدوا أن يسوقوا لنا الفيلم علي أنه ملحمة تاريخية توثق بطولات الجيش المصري، وأنه إضافة كبيرة لأرشيف السينما المصرية وفشلوا. 

أما ما زاد من حالة استفزاز بعض الشباب ونفورهم من الإقبال علي الفيلم ، فهو استغلال حزب مستقبل وطن للفيلم بشرائه لعشرات الآلاف  من التذاكر وتوزيعها على الشباب مجانا، وخصوصا أن هذا الحزب لا يحظى بأي شعبية باستثناء أعضاء فيه، تلك الفكرة هي ما جعلت الشباب يتأكد أنه تسوق له حالة انتماء معلبة، في محاولة لإعطائه جرعة وطنية زائدة، من خلال 120 دقيقة، إيقاعها متوسط مع صورة ليس بها إبداع أو جذب انتباه، بل حوار مباشر للحض علي حب المؤسسة العسكرية.
-----------------
بقلم: دعاء خليفة 

مقالات اخرى للكاتب

بين

أهم الأخبار

اعلان