16 - 07 - 2019

رسالة إلى زملائي في الجمعية العمومية للصحفيين

رسالة إلى زملائي في الجمعية العمومية للصحفيين

زملائي الأعزاء 

 "نحن الصحفيين أسرة واحدة تستمد كرامتها من ارتباطها بضمير الشعب وتكتسب شرفها من ولائها للحقيقة".

أكتب إليكم مستهلا بديباجة ميثاق الشرف الصحفي الذي ولد بإرادة جمعيتنا العمومية  قبل نحو 23 عاما. أكتب بعد ان افجعني كيل صحف لم تعد تمت للصحافة بصلة، لاتهامات واكاذيب مجنونة لا يصدقها عاقل، لزميلينا الأستاذين هشام فؤاد وحسام مؤنس، فيما صمتت تماما وغطت على ظروف اعتقالهما من زوار الفجر الملثمين ومداهمة منزليهما بالقوة والعنف وترويع أسرتيهما وأطفالهما، ثم الزج بهما وآخرين في قضية أنا على ثقة بأنها ستنتهي الى لا شيء. كغيرها من  القضايا التي وسمت علاقة غير صحية بين المواطن وسلطة الدولة ممثلة في الأمن وجهات الاتهام، ستنتهى غدا أو بعد أسابيع أولا قدر الله بعد اشهر أو سنوات الى ما انتهت اليه العديد من قضايا الفرقعات الدعائية بغرض التشويه والتنكيل.

ولقد عرف جيلي هذه القضايا الأشبه ببالونات الغاز الكريه في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، منذ النصف الثاني من السبعينيات. وقد اخذت لنفسها عناوين تعددت وإن دارت كلها أو معظمها آنذاك حول شعار "امسك تنظيم شيوعي". وتماما مثلما اصبح عليه الأمر هذه السنوات حول شعار "امسك اخوان". 

وأدعو من لديه منكم متسع من وقت، أن يعود وينقب في صحف تلك الأيام عما كتبه صحفيون كبار مشاهير وصغار مجاهيل، وكلا الصنفين مكلف بمهمة لدى الأمن وفي خدمة السلطة إزاء خصومها السياسيين أو من تعتقد. وليتتبع من يهتم إلى ماذا انتهت تلك القضايا "الخطيرة" بما في ذلك قضايا تناثرت فيها الاتهامات المجنونة بهدم اركان الدولة والمجتمع، وحتى بالتخابر مع أعداء السادات إقليميين ودوليين على خلفية "كامب ديفيد ".. وها أنا ـ وأظن أن الذاكرة لن تخذلني ـ اتحدى أن يكون لأي من هذه القضايا تبعات أو أحكام نهائية بإدانة، بعد اغتيال السادات ورحيله عن مسرح السلطة. 

 وعلاوة على ما سبق، فأنا اعرف معرفة شخصية ومنذ عام تخرجه من  كلية الإعلام جامعة القاهرة 1990 الأستاذ هشام فؤاد، المشهر به ممن يفترض أنهم زملاء تجمعهم عبارة "نحن الصحفيين أسرة واحدة. وحقيقة لم اندهش لفداحة وتنوع انتهاك اخلاقيات المهنة وأبجدياتها وميثاق شرفها في تناول صديقي هشام بما ليس فيه، وبما لا يمكن أن يكونه، ومن تمويل للإخوان، وهو الصحفي الخلوق اليساري الفقير الى الله. 

فقد ذكرتكم بما كان في نهاية عصر السادات من قضايا "امسك شيوعي" ودعوتكم للعودة الى أرشيفات الصحف حينها. لكن ما ادهشني وآلمني أكثر أنني اعلم بأن رؤساء تحرير نشروا كل هذه الاكاذيب وانخرطوا وصحفهم وبرامجهم التلفزيونية في حملة التشهير "الأمنجية" المجنونة الحمقاء، بل ونسبوا بيان "الأمن الوطني" و"الداخلية" الى انفسهم وصحفهم ومحرريهم قبل ان يصدر رسميا. أقول يدهشني حد الألم انني أعلم علم اليقين بأنهم يعلمون بدورهم: من هو الأستاذ هشام فؤاد؟ وقد تزاملوا أو تزاملنا معا في غير موقع عمل وصحيفة منذ مطلع التسعينيات.

 و ازاء هذه الدهشة والألم لهذا العدوان الصارخ على حقوق الزمالة وعلى الحقيقة ربما أجد من الترف والعبث، أن أذكر بالمادة الرابعة من الالتزامات والحقوق في ميثاق شرفنا الصحفي التي تنص على :"الالتزام بتحري الدقة في توثيق المعلومات" و المادة الخامسة منها التي تشدد على:"الالتزام بعدم استخدام وسائل النشر الصحفي في اتهام المواطنين بغير سند" أو بالقاعدة الدستورية والقانونية العامة بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته. ناهيك عن نص المادة 21  من قانون تنظيم الصحافة الذي لم يجف حبر كتابته بعد (رقم 180 لسنة 2018) وقد نصت على أنه "يحظر على الصحفي أو الإعلامي تناول ما تتولاه سلطة التحقيق أو المحاكمة على نحو يؤثر على مراكز من يتناولهم التحقيق أو المحاكمة". ولكن هل لي أن استدعي أيضا ابجديات مهنتنا بأن تتيح في النص المنشور ذاته معلومات أو أقوال تتحدى الرواية السائدة المقدمة. وإلا تحولت مواد الصحف إلى مسرحيات "مونودراما" أو المونولوج الممجوج. حيث لا تسمع إلا صوتا واحدا وفي اتجاه وحيد. 

 ولعل حساب السلطة، سواء أكانت سلطة بوليس او اتهام أو حتى قضاء، عند الله والشعب إلى أن يعتدل ميزان العلاقة المريضة هذه مع المواطن ونرى مصر أخرى. أما حساب من يطلق عليهم "زملاء المهنة" فمنصوص عليه في الاجراءات التنفيذية لميثاق الشرف الصحفي، والتأديب وتفعيل العقوبات بواسطة النقابة مفصلة ومرتبه من الإنذار وصولا الى الشطب من الجدول. وهذا ما ينقلني الى دور الجمعية العمومية ومجلس النقابة والنقيب.

 زملائي الأعزاء 

أتيح لي على مدى الأشهر القليلة الماضية، أن اجلس واستمع إلى زملاء تنوعت صحفهم واتجاهاتهم بعد ان خرجوا من محنة الاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال والمحابس والتهم المجنونة مرورا بتحقيقات النيابات وربما المثول أمام المحاكم، كما عشت على مدي الأيام القليلة الماضية ومنذ اعتقال زميلينا الأستاذين هشام وحسام تفاصيل عمل نقابي أخشي القول بأنه "لا يسر عدوا ولا حبيبا". وهو بحق أمر يستدعي تقصي حقائق، تعكف عليه مجموعة من الجمعية العمومية تلتقي وتجمع الشهادات وتستمع لكل الأطراف وتدقق وتوثق ما جرى على مدي السنوات الست الماضية والى الآن. وهذا بهدف أن نستمد الخبرة لنعالج اوجه الضعف. ولعلنا هنا واليوم بداية نطرح على انفسنا سؤالين: 

- الأول عن دور مجالس النقابة وإلى المجلس الحالي في تفعيل ميثاق الشرف الصحفي إزاء ما لوثت به صحف صفراء آثمة وصحفيون غير مسئولين زملاء لهم بغير وجه حق وعلى غير الحقيقة. وهكذا حتى اخال انه يحق لنا ان نتهمهم ومصادرهم "بنشر الأخبار الكاذبة". تلك التهمة التي اسرفت السلطات وإعلامها وصحفييها في إشهارها بمواجهة العديد من الشرفاء والبسطاء من أبناء هذا الوطن عامة ؟

- السؤال الثاني.. هل بحق يقدم النقيب ومجلس النقابة وإدارتها  القانونية التضامن  والدفاع الواجبين واللائقين مع الزملاء وأسرهم في هكذا محن؟. وهنا وعلى ضوء ما استمعت على مدي اشهر وعشت خلال الأيام القليلة الماضية تجمعت عندي وآخرين ملاحظات سلبية، تستدعى التنبه إلى تراجع الأداء النقابي، عما هو مكتسب في قوانين النقابة والصحافة والدستور وما استقر لعقود سابقة من اعراف وتقاليد بشأن حقوق الزملاء على مجلس نقابتهم ونقيبهم وحقوق النقابة إزاء السلطات، بما في ذلك سلطات التحقيق والمحاكمات. 

وأكتفي هنا بملاحظة أن النقيب والعديد من اعضاء المجلس لميحضروا إلى مقر النقابة منذ اعتقال الزميلين هشام وحسام فجر 25 يونيو الماضي وإلى حين كتابة ونشر هذه الرسالة، وإن حدث هذا وأزمة تواجه المجلس الجديد للمرة الأولى بعد انتخابه لم تستدع إلى حينه عقد اجتماع عاجل أو تنظيم مؤتمر، كما لم تصدر بعد كلمة من قيادة النقابة ولو على سبيل التصريح أو البيان سواء عن ملابسات زيارات الفجر المروعة هذه، ولا عن حملة التشهير والأكاذيب إزاء ضحاياها. 

كما اكتفي بملاحظة أخرى بشأن كم أصبح عسيرا وبطيئا على النقيب والمجلس ممارسة أضعف الإيمان بشأن الحقوق المستقرة في آليات العمل النقابي كالإسراع بالمطالبة بإخلاء سبيل الزملاء بضمان النقابة، وبخاصة عندما تتضمن الاتهامات ما قد يتعلق بالنشر والرأي أو السياسة، وكذا الهمة في حضور التحقيقات معهم وفي زيارتهم في محابسهم. 

وكل هذه الإجراءات كانت تتم من قبل تلقائيا وخلال ساعات على غير ما لمسناه مع محنة الزميلين هشام وحسام، وشخصيا عاصرت إلى عهد قريب نقباء طالما أسرعوا بحضور التحقيقات وزيارة الزملاء في محابسهم مصطحبين أسرهم. و قد يقال هنا بأن السنوات الأخيرة وما تمر به البلاد حملت نقابة الصحفيين قيودا على الحركة والأداء. لكن ما لا يمكن تقبله أن تستسلم نقابتنا إلى حد إهدار ضمانات  وحقوق "أضعف الإيمان" في التضامن والدفاع عن أعضائها جراء استقطاب سياسي، ما كان يجب له أن يلحق بالكيان النقابي مع 2012/2013. فتفرط  قيادات للعمل النقابي في حقوق زملاء وفي القانون والتقاليد والمكتسبات لكونهم "خصوما سياسيين ملاحقين من سلطة الدولة".  

وحقيقة وبالأصل فإنني لم اتقبل وغيري ما جرى بأن يترشح و يتولى رئيس الهيئة العامة للاستعلامات بوصفه موظفا حكوميا معينا من رأس السلطة التنفيذية  منصب النقيب، وفي سابقة لم يعرفها تاريخ نقابة الصحفيين المصريين وتخالف قانونها. ولعلني لا أتجنى أو اتسرع حين ألاحظ  وأشهد كيف تتضارب الآن مصالح وأدوار رئيس الاستعلامات ومهامه المكلف بها للدفاع عن سياسات وممارسات السلطة والعديد منها محل نقد، بشأن ملفات الحريات وحقوق الانسان و الصحافة، مع مسئوليات نقيب الصحفيين تجاه الحريات والمهنة و الزملاء. ثمة تضارب في المصالح والمواقع حين ننتظر من النقيب الجديد أن يصرح أو يسمح بأن يصرح مجلس النقابة بما يخالف ما يصدر عن هيئة الاستعلامات. 

 ولأننا كنا شهودا على وعي نقباء أعلام بأن الجمعية العمومية تشد أزر النقيب والمجلس وتدفعه إلى مواقع قوة في مواجهة السلطات، لا يمكننا تقبل أن يطلب النقيب الغائب عن النقابة والملتزم الصمت بشبهة تجنب إحراج من كلفوه بالدفاع عن سياساتهم وممارساتهم من الجمعية العمومية والتزام الصمت والامتناع عن اية مبادرات في اتجاه التضامن مع الزملاء المحبوسين. وهذا ولو بدعوى انه "يمارس اتصالاته في الخفاء". 

وحقيقة ليس هناك ما يقنعني وآخرين بقدرة اتصالات مفترضة كهذه، بعدما لم تظهر كرامة لرئيس هيئة الاستعلامات لا طريقة اعتقال وزيارات الفجر لزميلينا هشام وحسام، أو في تأخر تسلم اعاشتهما في محبسيهما لأكثر من خمسة أيام، أو حتىفيما تتعرض له أسرة زميلنا الأستاذ حسن القباني من اخفاء قسري لزوجته العاملة بالمهنة الأستاذة "آية" لمدة 12 يوما، ثم الزج بها في قضية متهمة بالتحدث إلى القنوات الاجنبية بشأن حبس زوجها من قبل لنحو ثلاثة أعوام وصولا إلى إبقائها رهن الاحتجاز بعيدا عن طفلتيها الصغيرتين، ومن دون ان يتمكنا وزوجها من مجرد زيارتها إلى حينه.

زملائي الأعزاء 

 لا أملك إلا أن اراهن عليكم كأعضاء جمعية عمومية كي نكون حاضرين يقظين ومبادرين، انطلاقا من نقابتنا. ندعم المجلس إذا تحرك وعمل وأخلص وأجاد وننقد أداءه ونسعي لتطويره حين يتطلب الأمر. 

لا أستطيع أن أمتنع عن قولها اليوم وأخالني مهموما بمتابعة شئون الصحافة والنقابة على مدي عقود مرورا بتأليف ونشر كتابين "حرية على الهامش: في نقد احوال الصحافة المصرية" عام 2005، و"تمرد في الثكنة: الصحافة المصرية وثورة 25 يناير" عام 2011، ناهيك عن كتاب ثالث بعنوان "نقابة تحت الحصار: تاريخ آخر للصحفيين المصريين" لم ير النور، فضلا عن عشرات من المقالات والدراسات . 

أراهن عليكم فلا تصمتوا، ولاتنصرفوا عن نقابتكم.

 ولنتذكر سويا بأننا "نحن الصحفيين أسرة واحدة...".

مقالات اخرى للكاتب

رسالة إلى زملائي في الجمعية العمومية للصحفيين

أهم الأخبار

اعلان