16 - 07 - 2019

المخيلات المسحوقة تهدد المصير البشري

المخيلات المسحوقة تهدد المصير البشري

 الروائي والكاتب المسرحي السويدي "هنينغ مانكل" -1947:2015- ذو الشهرة العالمية في فن الأدب البوليسي، والذي ذاعت شهرة رواياته وكتاباته للناشئة والصغار؛ حتى باتت واسعة الرواج؛ انفصل والداه قبل أن يتم العام الأول من عمره، فعنِي الأب "القاضي" بتنشئته ساقياً إياه قيم الحرية والعدالة والإنسانية، تنقل في ربوع إفريقيا؛ في غينيا بيساو، زامبيا، موزمبيق التي مكث بها طويلاً؛ وأسَّس "مسرح الجادة" ومَوّله من أرباح مؤلفاته وترجماتها إلى 26 لغة.. استفاد في ذلك من علاقته بالمخرج العالمي السويدي "إنغمار بريغمان" والد زوجته "إيفا".

قال: "علمتني إفريقيا أن أرى نواقص أوروبا؛ من حيث رفضها للآخر، لا مبالاتها بالبؤس، وبرودها الثقافي"، جاءت شُهرة رواياته البوليسية مِن بطلها مفوض الشرطة "كورت فالاندير" ذي النزعة الإنسانية، والمتمرد على تشبع أوروبا بكره الأجنبي، شرح في رواياته حياة السويدين خاصة والأوروبيين عامة، وقدم رؤية نقدية وسياسية حادة لانعدام المساواة، وتزايد حضور اليمين المتطرف، يرى أن أوروبا والسويد خاصة فردوس وهمي، لأن تصاعد اليمين المتطرف في كل أنحاء أوروبا دليل الحقد والتمييز العنصري، وكلها عوارض بلدان تتدهور اقتصادياً وثقافياً، فتتولد نزعة المحافظة على الخصوصية شأنها في ذلك شأن "الفاشية" التي ولدت من الخوف من المستقبل؛ فيصورون الآخر على أنه تهديد وخطر، ومن ثَم يحولونه لكبش فداء.

 انحاز "مانكل" دوماً للآخرين في تنوعهم واختلافهم، هذا الانحياز الأخلاقي والسياسي جعله يشارك في أسطول الحرية؛ الذي انطلق من قبرص إلى غزة أواخر مايو 2010 حاملاً على متونه مئات المتضامنين مع القضية الفلسطينية، في مبادرة سلمية تحمل لأهالي غزة مساعدات غذائية وطبية؛ في ظل حصار مفروض عليهم من إسرائيل، وقد صُدم العالم كله بالنهاية المفجعة التي لقيتها تلك المغامَرة الشجاعة؛ إثر اقتحام السفن من قِبل جنود الاحتلال في فجر 31 مايو ، واستخدامهم الرصاص الحي والغاز، مما أسفر عن مصرع تسعة نشطاء والقبض على البقية.

 عاد "مانكل" ليكتب يومياته - التي تُرجمت للعديد من اللغات- موجهاً إدانة مدوية لإسرائيل، منها كيف أنه تم احتجازهم في معسكر اعتقال جماعي؛ حيث تعرضوا لمختلف أنواع الضرب والإذلال قبل ترحيلهم لبلدانهم، مضيفاً:"ما يدهشني حقاً هو غباء الإسرائيليين؛ فلو كانوا يريدون إيقافنا دون أن يخسروا ماء وجوههم لعطلوا مراوح السفن ودفات القيادة ثم يقطروننا إلى الشاطئ، أما أن يداهموننا بعنف، ويقتلون بعضنا فهذا صنيع إجرامي مقرف غير إنساني،

لقد تصرفوا معنا كقراصنة، وداهمونا في المياه الدولية، هم بذلك لا يقلون فساداً عن أولئك الذين يفعلون بالسفن المارَّة بالصومال، لقد صرنا رهائن! ولدى وصولنا أجبرونا على الجري في الشوارع أمام عدسات التلفاز العسكري! وهذا ما لن أغفره أبداً، أحدنا رفض تسجيل بصمات أصابعه؛ فأوسعوه ضرباً، وألقوه خارج القاعة، وجرُّوه على الأرض، وفي طائرة العودة بعد ترحيلنا منحتني المضيفة حذاءين، فقد سَرق حذائي أحد أعضاء الكوماندوز الإسرائيلي! وسرقوا كذلك نقودنا؛ والبطاقات المصرفية؛ والملابس؛ وجهاز الاستماع الجوال؛ والحاسوب اليدوي! ها هي أسطورة الجندي الإسرائيلي الشجاع ذي الخلق تهوي.. الآن بات من حقنا القول أنهم لصوص بذيئون".

 يرى الروائي السويدي أن الجدار العازل في الضفة الغربية مصيره كمصير جدار برلين، وأن اليأس المطلق الذي يعيشه الشعب الفلسطيني ليس غريباً أن يجعلهم يقدمون على أن يصبحوا مفجرين انتحاريين؛ بل ربما يكون الأغرب أنه لا يوجد منهم المزيد، على حد تعبيره.

في روايته "الأحذية الإيطالية" يبرز شغفه الواضح بالتعبير عن المآسي الإنسانية، فمن خلال الطبيب بطل الرواية الذي يعيش في جزيرة منعزلة، تأتيه صديقته القديمة تمشي على عكازين طبيين لإصابتها بالسرطان، وتسرُّ له عن ابنته الشابة التي لا يعلم عنها شيئاً، فقد تركها وهو لا يعلم أمر حملها، يسعد بابنته ذات النزعة الاحتجاجية واهتمامها بقضايا العالم، ويأنس لفلسفة رفيقته الشجاعة في أن تعيش الحياة رغم مرضها، وتحاول الرواية إعادة تاهيل بعض الشبان المهاجرين الجانحين؛ وهي نزعة إنسانية شديدة السخاء، ويقرر هو ورفيقته أن يعيشا حتى الثمالة، مستمدين طاقة التفاؤل من ابنتيهما؛ معلنين أن الأجيال يصحح بعضها بعضاً، والخَلَف يغير تصورات السلف، ويهبه نافذة جديدة وغير متوقعة على العالم وعلى الحياة.

 أما روايته "سر النار" المستمدة من قصة حقيقية؛ دارت أحداثها بإفريقيا، حيث يكتب عن "صوفيا" تلك الفتاة التي لا تقهر، فقد كانت تبلغ من العمر 12 عاماً، تعيش في موزمبيق - أحد أكثر بلدان العالم فقراً والذي مزقته الحروب الأهلية؛ بعد فترة استعمار برتغالي استمر أربعة قرون ونصف القرن- أهدى الكاتب روايته لـ "ماريا الفاس" أخت صوفيا التي ماتت في عمر الزهور، صوفيا كانت فتاة تعاني من خوف يدفعها للجري في العتمة على غير هدى، فثمة شيء خلفها يرعبها، تحس بلهيب أنفاسه على رقبتها؛ ربما يكون وحشاً، هكذا يدور في مخيلتها، ثم فجاة تنتبه أن هذا؛ مبتغى الوحش أن تجري مبتعدة عن الدرب، فتتذكر وصية أمها كل صباح "لا تتركي الطريق أبداً، فبعيداً عن الدرب تكمن الأشياء الخفية المدفونة تحت الأرض"، تعاني صوفيا من القتلة الذين داهموا قريتها، حيث قتلوا والدها والذي استطاع بجثته أن يحميها عن أنظارهم، لكن القرية تحولت إلى مقبرة كبيرة، تنتقل لقرية أخرى فتستمع لمن ينبهها لخطر الألغام المدفونة تحت الأرض كشياطين تتربص بالآخرين، لكنها تحيد عن الدرب الذي اعتادت المرور فيه فينفجر لغمٌ لتُبتر إحدى ساقيها، ويودي بحياة أختها "ماريا"، وتمكث طويلاً بالمشفى مصممة على أن تنسى أحزانها، وتتمرَّن على العيش بساقين صناعيتين.

 عقب إصابته بالسرطان كتب كتابه: "رمال متحركة" ركز فيه على معنى أن تكون إنساناً، وفي كتابه "جسر إلى النجوم"يقول: "أردت أن أطرح الأسئلة الكبرى عن المصير البشري، الحقيقة والكذب، الصداقة والولاء، الهجران والحُب، ليس هناك أهم من مخاطبة النشء ومناقشة أسئلتهم، إن الأطفال هم الفنانون الأصليون الذين تتساوى عندهم الحقيقة والخيال، لابد أن تعي المدارس أن الكثير من مشاكلنا يعود للمخيلات المسحوقة وعدم فهم شروط الحياة بصورة واضحة.. لابد أن تعوا سريعاً لأن الوقت قصير".
------------------
بقلم: حورية عبيدة

مقالات اخرى للكاتب

المخيلات المسحوقة تهدد المصير البشري

أهم الأخبار

اعلان