21 - 08 - 2019

مراجعات السجون.. السلطة والجماعات ودوامة الدم (1-2)

مراجعات السجون.. السلطة والجماعات ودوامة الدم (1-2)

في الخامس من يوليو 1997، وقبل دقائق من جلوس رئيس المحكمة على منصته لنظر القضية رقم 235 لعام 1994، والمتهم فيها عدد من شباب الجماعة الإسلامية بقتل ضابط شرطة بمحافظة السويس، علا صوت المتهم محمد أمين عبدالعليم من خلف قضبان قفص الاتهام، ليخترق ضجيج المراسلين الصحفيين الذين حاصروا أعضاء هيئة الدفاع بالأسئلة والاستفسارات.

"تعلن الجماعة الإسلامية وقف العمليات العسكرية والبيانات المحرضة لها من جانب واحد دون قيد أو شرط.. لمصلحة الإسلام والمسلمين"، تلا أمين البيان الذي أحفظه إياه أمير الجماعة الإسلامية، كرم زهدي، فجرًا، في سجن طرة، قبل نقله إلى قاعة المحكمة.

تصاعد الجدل حول بيان الجماعة التي شرعت في ممارسة العنف قبل ذلك التاريخ بنحو 20 عامًا، وتردد في أوساط المراقبين سؤال: «كيف ستتفاعل الدولة مع بيان الجماعة؟»، وقبل أن تصل الإجابة، وفي نوفمبر من العام نفسه، وقع الهجوم الإرهابي بالدير البحري بمدينة الأقصر، والذي راح ضحيته 58 قتيلًا من السياح اﻷجانب، لينسف كل الآمال التي تعلقت بمبادرة الجماعة.

عدد من قادة الجماعة في الخارج باركوا الهجوم، فيما اعتبره قادة السجون طعنة من الخلف ومحاولة لإفساد المبادرة؛ فالوسطاء الذين تطوعوا لإدارة حوار بين مجلس شورى الجماعة الإسلامية وبين الأجهزة الأمنية، نفضوا أيديهم بعدما شوهت دماء العملية صفحات مبادرة وقف العنف.

تسبب الهجوم أيضًا في إقصاء الضابط أحمد رأفت، المعروف كوديًا باسم «الحاج مصطفى رفعت»، عن موقعه في جهاز مباحث أمن الدولة، وتم ندبه للعمل بسفارة مصر في ألمانيا، وهناك زادت قناعاته بأنه لا بديل عن إنهاء دوامة الدم.

بعد انتهاء انتدابه سنة 2000، عاد الحاج مصطفى رفعت إلى القاهرة وأسُند إليه ملف العنف الديني في الجهاز مرة أخرى، وسُمح لقادة الجماعة الذين دشنوا المبادرة بفتح حوارات في السجون لإقناع باقي الأعضاء بالأفكار الجديدة، واستمرت الأمور في التفاعل.

أدانت الجماعة أحداث العنف وكل العمليات المسلحة التي نفذها أعضاؤها، وفي يونيو 2002تقدمت باعتذار علني للشعب المصري عما بدر منها، وقررت حل الجناح العسكري، ونجح كرم زهدي في إقناع كوادر بالجناح العسكري بتسليم أنفسهم وأسلحتهم بعد اتفاق مع اللواء أحمد رأفت.

أعادت الجماعة النظر فى كثير من أصولها الفكرية، ووصلت المناقشات التي دارت في سجون مصر بين قادة الجماعة وقواعدها إلى إعادة النظر في ثوابت أصلت فقهيًا لعمليات العنف المسلح منها «الحاكمية»، و«تكفير الحكام ومن يعاونهم»، و«الحسبة» و"تغيير المنكر باليد".

أصدر مجلس شورى الجماعة سلسلة «تصحيح المفاهيم»، وخرجت للنور كتب تؤسس لما وصفه منظرها ناجح إبراهيم بـ «فقه المراجعات»، وحاول منظر الجماعة وقادتها ممن شاركوا في صياغة المراجعات في السجون إقناع المعتقلين بالأفكار الجديدة التي حملتها كتب «الأدلة الشرعية لمبادرة وقف الأعمال القتالية»، و«النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين»، و«حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين»، و"تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء"

"ما فعلناه كان خطًأ وما حدث كان فتنة"، قال الشيخ كرم زهدي في إحدى الندوات بسجن الوادي الجديد، وأقسم أن ما يقوله ليس رهبة ولا خوفًا من النظام الحاكم لكنه «اتقاء مرضاة الله»، ليؤكد نائبه الدكتور ناجح إبراهيم أن إطلاقهم للمبادرة "ما كان إلا حقنًا لدماء المصريين وحفاظًا على الأنفس التي تهلك في غير ميدان، وتقتل دون مصلحة شرعية أو هدف شرعي".

اللواء الراحل أحمد رأفت، مسؤول الملف الديني في جهاز مباحث أمن الدولة، أخبر منظر الجماعة ورجلها الثاني حينها الدكتور ناجح إبراهيم، أن "الأجهزة الأمنية أجرت أيضًا مراجعات على غرار مراجعات الجماعة لكنها غير معلنة، وأعادت النظر في التعامل الأمني مع المعتقلين في السجون، وتحولت المعتقلات إلى ما يشبه الجامعات، سمح فيها بالدراسة والبحث والحوار"

"كان مخلصًا، شعر بصدق نوايانا، وتأكد من تخلينا عن العنف المسلح، فساعدنا في إتمام مهمتنا"، يتحدث إبراهيم عن اللواء رأفت، مشيرًا إلى أنه ساعد على تحويل السجن إلى جامعة فكرية، تجري فيها النقاشات والمراجعات بين قادة الجماعة وشبابها، وورشة إنتاجية كبيرة لإعادة تأهيل أعضاء الجماعة الذين وصل عددهم إلى ما يقرب من 12 ألف معتقل في السجون.

بعد اطمئنان الدولة وأجهزتها إلى أن المراجعات الفقهية أحدثت أثرًا كبيرًا في نفوس معظم أبناء الجماعة الإسلامية، قررت إخلاء سبيل الآلاف من أعضاء الجماعة، ثم لحق بهم بعد سنوات قليلة أعضاء من تنظيم الجهاد عقب توقيعهم على «وثيقة ترشيد العمل الجهادي» التي صاغها منظر التنظيم الدكتور سيد إمام

وضعت أجهزة الأمن أبناء «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد» المفرج عنهم تحت الرقابة والمتابعة الشديدة بعد خروجهم من السجن، بعضهم أعيد احتجازه لأيام أو شهور إثر رأي أو موقف معلن من نظام مبارك أو من المراجعات التي وقعوا عليها، لكنها في ذات الوقت عملت على تذليل العقبات التي واجهت عددًا كبيرًا منهم خارج السجون، فوفرت للمتعطلين فرص عمل، وأعادت الموظفين إلى أعمالهم السابقة، وتسلم بعضهم وحدات سكنية في المدن الجديدة، في محاولة منها إلى إعادة دمجهم في المجتمع

هكذا تعاملت أجهزة أمن نظام مبارك مع مبادرتي أكبر تنظيمين أصوليين تم تأسيسهما في سبعينيات القرن الماضي، ورغم ما بدا حينها من استحالة إنهاء الصراع المتصاعد، والذي ترجم ميدانيًا إلى عمليات عنف طالت مفكرين وساسة وأقباط، ووصل إلى اغتيال رئيس الدولة الراحل أنور السادات، ومحاولة اغتيال سلفه أكثر من مرة، إلا أن أجنحة بالدولة قنعت بفكرة وقف دوامة العنف، بعد أن بادر الطرف الآخر بإعلان نواياه الجديدة، وانتهى الأمر بإخراج معظم أعضاء الجماعتين من دائرة الدم، «نجح الفريقان بصدقهما وتجردهما وإخلاصهما بالعبور من نفق العنف المظلم إلى نور المصالحة» يقول ناجح إبراهيم.

مضت الأمور في طريقها دون خروقات تذكر من الطرفين، إلى أن اندلعت ثورة يناير 2011، فطفت على السطح مرة أخرى بعض الأفكار التي دفنتها المراجعات، وعادت مفردات «الحاكمية» و«إقامة دولة الخلافة» و«الحسبة» و«مواطنة الأقباط» تتردد في جلسات بعض المتراجعين الخاصة والعامة.

وفي أول اختبار حقيقي، داس عدد من أعضاء التنظيمين على وثائق المراجعات بأقدامهم، بحسب شهادة قالها لي قيادي سابق بالجماعة الإسلامية، «استعاد عدد من كوادر الجماعة الإسلامية  وتنظيم الجهاد ذاكرة المواجهة مع الدولة في ميداني رابعة العدوية والنهضة عقب خلع الرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2013، متأثرين بالخطاب التعبوي الجهادي الذي بثته منصات اعتصام الإسلاميين بعد عزل الرئيس الراحل»، حسبما أضاف القيادي البارز نفسه.

بدأت مصر موجة جديدة من موجات العنف، بينما ظلت النسبة الأكبر من أبناء الجماعة الإسلامية على موقفها الثابت من المراجعات، بحسب ناجح إبراهيم الذي اعتبر أن الجماعة ودعت الإرهاب والعنف فكرًا وسلوكًا.

إثر فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» انضمت مجموعات من جماعة الإخوان، أكبر التنظيمات الأصولية عددًا وأكبرها تمويلًا، إلى دوامة الدم، وسيطرت مشاعر الانتقام على قطاعات في الجماعة، فخرج من رحمها عدد من المجموعات المسلحة منها «الانتقام الثوري» و«اللجان النوعية» وأعلنت حينها مسؤوليتها عن عدد من العمليات الإرهابية.

مع الوقت سقط عدد كبير من قواعد الجماعة في قبضة الأمن وتم تقديمهم إلى المحاكمات على خلفية اتهامهم في قضايا إرهاب، وهو ما أدى إلى تراجع العمليات التي مارستها المجموعات الإخوانية.

اهتز كيان الجماعة نتيجة الخلافات التي دبت بين أطرافها، وحملت بعض الكوادر قيادة الإخوان مسؤولية ما جرى بعد 30 يونيو 2013، ووصل بعضهم إلى قناعة أن القيادة أوقعتهم في «فخ التكويش على السلطة»، وبدأ بعضهم في مراجعة استراتيجية الجماعة وقراراتها، وذهب البعض إلى ما هو أبعد، بمراجعة «الأصول العشرين» و«أركان البيعة العشرة» التي أسس عليها حسن البنا الجماعة، وقنع عدد آخر أن «الدودة في أصل الشجرة»، أي أن المعضلة بدأت مع ما طرحه مرشدهم الأول قبل نحو 90 عامًا.

مطلع أبريل 2019 تسربت من داخل سجن استقبال طرة، مبادرة لمجموعة من شباب التنظيمات الأصولية المحبوسة على ذمة قضايا عنف، طالبوا فيها بالحصول على «عفو رئاسي» بعد إعلانهم التبرؤ من أية جماعة أو فصيل ينتمي لتيارات الإسلام السياسي، داخل مصر وخارجها.

«مبادرة الشباب المستقل في السجون المصرية» والتي خرجت من سجن استقبال طرة بشرق القاهرة، صاغها تجمع شبابي ينتمي لتيارات عدة وليس لتنظيم الإخوان فقط، بحسب ما جاء في الوثيقة، التي يقول أصحابها إن من بينهم عناصر مثلت «مرجعيات شرعية» لتنظيم القاعدة، ولتيار السلفية الجهادية.

وقال شباب المبادرة إنها محاولة لـ «وضع حد لسقوط الشباب في براثن الأفكار التكفيرية المنحرفة، ووضع حد للخروج على الحكام بالسلاح والقوة.. مبادرتنا هي دعوة للعودة إلى أحضان الوطن، بل هي خطة عملية متكاملة داخل السجون لإصلاح ما أفسدته تلك التجربة البائسة، وتأهيل الشباب إلى ما بعد الخروج من السجون"

وأشار هؤلاء إلى أن مبادرتهم تتمحور «حول مراجعات الأفكار والأدبيات التنظيمية التي كانوا يعتنقونها، وحول العلاقة مع الدولة»، لافتين إلى أنهم يجهزون لتلك الخطوة منذ عامين تقريبًا.

"لهذا طرحنا هذه المبادرة، وأسميناها (الشباب المستقل) حتى نقول إنه ليس لدينا أي ارتباط بفكر أو جماعة أو تنظيم، ولا نعادي أحدًا، بل نحب الخير لكل أبناء التيار الإسلامي ولا نريد لهم البقاء في السجون أكثر من ذلك، ونريد أن نوقف نزيف الأعمار التي تهدر والأموال التي تبدد، وأن مكان الشباب في المساجد والمدارس والنقابات»، يسترسل الشباب في الوثيقة الموقعة باسم محمد الريس المحبوس في سجن استقبال طرة.

وأوضحت الوثيقة أن هذه المبادرة طرحت قبل عام ونصف بسجن بنها العمومي، ولم تخرج إلى النور إلا بعد التواصل مع قيادات التيار الإسلامي، وخاصة قيادات الإخوان وسؤالهم عن تصورهم للخروج من الأزمة، «لم نجد عندهم ردودًا أو حلولًا وهناك شهود على ذلك".

وأشار أصحاب المبادرة إلى أنهم راجعوا خطواتهم السابقة وتصوراتهم لمفاهيم يجب أن تصحح، «ننصح شبابنا أن يراجع خطواته وتصوراته، ويعقد المقارنات بين أفكاره قبل تلك المحنة، وتلك التجربة وبين ما وصلنا إليه من نتائج، الخاسر الأكبر فيها هم الشباب، ناهيك عن الأذى الذي أصاب أسرهم وذويهم.. نريد أن تصغي لنا الآذان من الجميع سواء قادة هذا الوطن وقياداته الأمنية، أو الجماعات أو الأفراد".

وفي ما يعد اعترافًا من هؤلاء الشباب بشرعية نظام الحكم في مصر بعد 30 يوينو، دعت المبادرة الدولة وقادتها إلى توضيح ما أسموه «مؤامرة على البلاد»، وقالوا: «مبادرتنا تدعو الدولة وتقول لقادة هذا الوطن عليكم واجب دستوري وأخلاقي خاصة بعد ثورتين نتج عنهما تنوع فكري، وأنه يجب أن يكون هناك فترة انتقالية يتم فيها توحيد الثقافات بالمجتمع، وكشف الحقائق أمام الجميع وتوضيح المؤامرة على بلادنا والقبول بكل من يريد العودة والرجوع لأحضان وطنه ودولته ومد يد العون لكل الشباب المخلص الذي أراد الحق فأخطأه"

وأشارت المبادرة إلى أن أصحابها يهدفون إلى «تبييض السجون من الشباب، وتأهيلهم للخروج إلى المجتمع، وألا يكونوا معاول للهدم وإشاعة الفوضى".

لم تكشف أوراق المبادرة عن رؤية متكاملة، أو ما يمكن تسميته مراجعات فقهية وحركية حقيقية طالت الأسس الفكرية والتنظيمية للجماعات الأصولية، فالقراءة الأولية لها تكشف سطحية أفكار أصحابها، وهو ما جعل بعض الخبراء يتعاملون معها باعتبارها «مناشدة للسلطات للإفراج عن عدد من الشباب التائب الراغب في العودة إلى الحياة ليس إلا"

أحد الشباب المفرج عنهم مؤخرا كشف أن سلطات السجون بدأت منذ فترة في فرز شباب التنظيمات المستعد لمراجعة أفكاره، وجمعتهم في عنابر أُطلق عليه «عنابر المراجعات»، مُنح نزلائها ميزات إضافية من ساعات تريض إلى زيارات.

لكن هذه المبادرة لم تكن أول المراجعات الإخوانية. نهاية عام 2017، خرجت من سجن محافظة الفيوم العمومي، مبادرة وصفت بأنها الأكثر عمقًا في ما تسرب من السجون، اشتبك أصحابها مع الأصول والمفاهيم التي تأسست عليها الجماعة ونقدوا الطريقة التي تسلل بها قادة التنظيم إلى قصور الحكم.

تصدر لمراجعات «سجن الفيوم» مجموعة من شباب الإخوان، منهم عمرو عبدالحافظ، وأحمد حميدة، وحمزة محسن، وعماد علي، والأخير قال، عقب خروجه من السجن بعد انتهاء فترة عقوبته، إن مراجعاتهم لم تتوقف عند حد المواقف والممارسات السياسية للجماعة ولكنها قفزت إلى الأفكار والقناعات الراسخة والحاكمة التي تنطلق منها تلك المواقف والممارسات.

"مراجعاتنا شملت المفاهيم الخاطئة، مثل مفهوم الجماعة عن الدولة ومبدأ التمكين، وهدف الإخوان الرئيسي وهو استعادة الخلافة، ومنهجية التغيير التي وضعها البنا، وشكل الجماعة ذي الطابع الشمولي الذي أثبت عدم جدواه وتسبب في الكثير من الأزمات والصدامات"، يقول علي.

ويضيف أن الحديث عن حاجة الجماعة للإصلاح لم يعد له محل من الإعراب، فالإصلاح يفيد مع بناء يقوم على أسس سليمة، لكن إذا كان الأساس الذي تقوم عليه الجماعة نفسه والمتمثل في أهداف كبرى غير واقعية وتصورات خاطئة ومنهج صدامي وهيكل تنظيمي يخلق أفراد منعزلين عن مجتمعهم، تابعين دون وعي لقيادات تحركهم كدمى في أيديهم، متعصبين لرأي جماعتهم إلى أبعد حد؛ حينئذٍ تكون مثل هذه التنظيمات عبئًا على المجتمع وعلى الدين ذاته، وبالتالي تظل جزءً أساسيًا من المشكلة لا جزء من الحل، وهنا يتعين البحث عن صيغة بديلة تكون سببًا في نهضة المجتمع والأمة لا في عثرتها، وعليه فأن الهدف الآن هو تفكيك مثل هذا الجماعات.

وينقل عن وجهة نظر عدد من شباب الجماعة الذي التقاهم في السجن، ويقول: «شباب الإخوان في حالة يرثى لها حقًا، فبعضهم وجد نفسه مرة واحدة في أتون صراع لا يعرف لماذا دخل فيه ولا كيف سيخرج منه، ويسمع كلام قيادات دأبت على تخدير عقولهم بخطاب عاطفي قائم على إدعاء الكمال واتهام الجميع بالتآمر عليها، وأن ما تعانيه جماعتهم هو نتيجة حتمية لصراع الباطل أمام الحق الذي تمثله»، مشيرًا إلى أن خطاب القيادة أصبح محل شكوك عدد كبير من شباب الجماعة الذي تعرض لصدمات نتيجة الواقع البأس الذي يتناقض مع ما وعدوا به.

ويوجه علي حديثه إلى شباب الجماعة ويقول: ما وقع من أحداث جدير بأن يوقظ النائمين ويحيي الموتى، فلا تعتمدوا على ما رسّخته الجماعة في عقولكم من أفكار وحاولوا أن تبحثوا عن قناعات جديدة عن طريق التفكير والقراءة والتدبر والتحرر من التلقين دون إعمال العقل، ووقتها ستعرفون ما ينبغي فعله إذا امتلكتم الجرأة عليه.

ويقول أحد الشباب الذي شارك في مراجعات سجن الفيوم، إنهم وبعد تقييم لأداء قادة الجماعة المخيب للآمال، قرروا البحث في القناعات الخاطئة التي أنتجت تلك الممارسات الكارثية، «انتهى بنا الأمر إلى مراجعة عميقة وشاملة لأفكار مؤسس الجماعة حسن البنا التي شكلت جوهر الخلل عند أتباعه وجعلتهم يتجرعون الهزائم المتلاحقة".

ويضيف: «نظرية التغيير التي انتهجها البنا كانت ولا تزال غير واقعية بدرجة يستحيل تطبيقها في هذا العصر، فهو يراهن على أتباعه الذين سينتشرون في الربوع ليستميلوا الناس نحو فكرة التنظيم بواجهات دعوية وخيرية، ومن ثم تتكون كتلة حرجة، ومن حولها دوائر تأثير أخرى تتكاثر مع الوقت حتى يصل التنظيم المتوغل نحو أسلمة الكون من حوله، بدءًا من الفرد والأسرة ثم المجتمع وصولًا إلى الحكومات وإقامة دولة الخلافة وأخيرا أستاذية العالم".

ويرى هذا الشاب أن الخلل الذي وقع فيه البنا يكمن في أنه أراد تنظيمًا قويًا يحل بديلًا عن المجتمع والأحزاب والوطن، وظن أن ذلك التنظيم سيعيد مجد الإسلام، فدخل في صراعات مع أنظمة الحكم المتعاقبة التي تعاملت مع الجماعة باعتبارها كيانًا موازيًا لأجهزتها ومؤسساتها.

"من أخطر ما طرحه البنا وجعل الجماعة تدخل في صراعات على مستوى الأقطار، هو أنه جعل العالم كله (دار حرب) وليس (دار دعوة)، وهي القاعدة التي جعلت معظم الحركات الإسلامية الحركية تبادر بمواجهة الحكومات في الدول التي تنشط فيها»، يقول أحد شباب مراجعات سجن الفيوم، مضيفا: ومن الأمور الخطيرة أيضًا خلط الجماعة بين نصوص الدين المقدسة التى تخص الأمة، وبين أدبيات التنظيم؛ ذلك الاجتهاد البشرى المحدود، وكذا تقديس الأشخاص على حساب المبادئ.

الفروق كبيرة بين «مبادرة الشباب المستقل» التي خرجت من سجن استقبال طرة، و«مراجعات سجن الفيوم العمومي»؛ فالأولى بدا من صياغة بنودها أن أصحابها أصابهم اليأس والإحباط من هزيمة التنظيمات التي ينتمون لها، وبدا أيضًا أنهم كفروا بالقيادات التي دفعت بهم في أتون صراع غير محسوب، بينما أعمل أصحاب مراجعات سجن الفيوم معاولهم في جذر الشجرة ففندوا الأصول والمفاهيم والأفكار الأساسية، ووصلوا إلى تصور كامل لتفكيك التنظيم الذي خلط بين الدعوي والسياسي وسعى إلى تأسيس كيانات موازية للدول والحكومات.

اللواء فؤاد علام، عضو المجلس القومي لمكافحة التطرف والإرهاب، والمسؤول السابق في إدارة التطرف الديني بجهاز أمن الدولة دعا الدولة إلى التعامل بجدية مع مبادرات شباب الإخوان في السجون.

علام قال في تصريحات تلفزيونية إن «المبادرات غرضها تصحيح مفاهيم خاطئة ترسخت في عقول هؤلاء الشباب، ويجب أن يكون لها توظيف على أرض الواقع».

كيف تعاملت السلطة مع المبادرات التي تسربت من السجون مؤخرا؟ وهل تجارب المراجعات السابقة ستكون حاضرة أمام صاحب القرار؟ وهل هناك نوايا جادة لحصار التنظيمات الأصولية ومواجهة الفكر بالفكر؟ وكيف تعاطت جماعة الإخوان مع المطاعن التي طالت أصولها؟ وما هو تأثير وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي على تلك المبادرات؟

نحاول الإجابة على تلك التساؤلات في الجزء الثاني من المقال.
-------------------------
بقلم: محمد سعد عبد الحفيظ
نقلا عن مدى

مقالات اخرى للكاتب

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

أهم الأخبار

اعلان