19 - 08 - 2019

لن أولد فى هذا العالم.. قصة قصيرة

لن أولد فى هذا العالم.. قصة قصيرة

روحك تهفهف حولى،أكاد أتلمسها بعيونى، أصغى الى نبضات قلبك التى تمتزج بنبضات قلبى، قلبك يسكن قلبى ، أنفاسك أنفاسى ، استشعر كل ومضة من ومضات عقلك، احتضنك بكل جوارحى، حبيبى أنت لا تزعجنى ..لا تقلقنى.. بل آلامى تغمرنى سعادة وحنين ولهفة ،كم أتطلع إلى مولدك، يا له من لقاء أجمل وأصعب لقاء فى الكون لحظة أن تولد عندما تشرق شمسك التى ستمنح الكون ضياء وبهجةً.. أنتظرك بروحى و عقلى وجسدى، انتظرك بكلى إلى أن ترى النور وتأتي الى عالمى، لكم أشتاق الى يوم مولدك.

ها انت ذا تحدثنى.... 

تنصت إلى جنينها  وقد اقتربت برأسها من بطنها تسمعه يحاورها: حقاً حبيبتى، فأنا جزء منك كم أنت حانية عليَّ، كم تتحملين لتمنحينى الحياة،وأنا بين ضلوعك وأحشائك لاأشعر إلا أمناً وحناناً وسلاماً، كم تعانين .. تتألمين ودمك يتدفق لعروقى،أعيش فيك، كيانٌ ذائب فى كيانك.

الأم مندهشة: أحقاً تحسنى؟ أحقا سعيد وأنت فى أحشائى؟

أجل أحس، فرحك.. حزنك.. ألمك.. وجعك، كم يرقص قلبك وتهتز مشاعرك وتتبسمين مع كل ركلة منى فى جنباتك وانت تضحكين، وسعادتى لا توصف وأنا أعيش فى عالمى الذى تجلت فيه قدرة الخالق العظيم الذى صنعه لى، ووهبنى إياه. عالم أملكه أنا، إنه عالمى لا ينازعنى فيه منازع ولا يفسده على مفسد، أنعم فيه سلاماً. لقد أحببتُ عالمى بل أشعر عالمك، أستشعر كل ما تعيشين.

الأم: الحمد لله هانت، أيام وتشرف وتنور دنيانا كلها..

فجأة ترتعد الأم.. صارخة شيء يزلزلنى يا حبيبى/ لِم كل هذه التشنجات؟ لا ، لا أتحملها أرجوك ، اهدأ كنت لتوك سعيداً.. بالله ارحمنى 

الأم تهدأ  رويداً رويداً وتتحسس بطنها.. رباه يبدو أنه حان موعد الولادة.

صمت رهيب، هدوء، نظرات ترقب، الأم تصيح ماذا ألم بك ؟ ماذا جرى ياقلبى يا كبدى يا عمرى يا كُلى ..

بصوت مكتوم مرتجف الجنين يرد :أمى.. لن أولد ، لن اخرج الى النور لن أحضر فى هذا العالم.

الأم تهذي وتكاد تُصاب بالجنون: كيف لن تولد.. ياااارب يا مثبت العقل والدين..

تحاول التماسك، تتشبث ببطنها، تبتلع ريقها وتلملم نفسها، وقد أصابها الإعياء، تكاد تغيب عن الوعى، تحاول جاهدة ألا تنهار وبصوت حانٍ خافت يكاد لايسمع... تتوسل: لماذا؟ ألا تحب أن تأتى لنا ونحن ننتظرك بشوق، أنت أغلى ما فى الوجود وسنعيش من أجلك ونسهر على راحتك وستجد كل ما تتمناه .

الجنين: عالمى داخلك عالم نقي، عالم أملكه لا ينازعنى فيه منازع ولا يظلمنى ظالم،  لا شرور  ولا أشرار،  أعشقه و أهنأ به.

لا لا لا.. أريدك معى، ما أبهج الحياة بك.. أتلمسك بيديَّ، أحرسك بعيني، أضمك بكيانى لقد أعددتُ لك كل شىء وليدى. 

الأم هامسة همسة قلقة.. خائفة.. مرتجفة: جنينى... كأنك لا تشتاق لعالمنا ؟

يرد الجنين بهمسات اختلطت فيها مشاعر الحسرة والألم، وكأنه يقول: لكم احببتُ ان أُولد....ولكن.....

 أماه... عالمكم امتزج  فيه الشر بالخير، والبغض بالحب، والقبح بالجمال.. لا يُعرف فيه الحق من الباطل، ولا العدل من الظلم، وربما أصبحت فيه الفاحشة فضيلة.. وقد يحل الحرام، ويحلل الحرام.

عالم غلب عليه الغش والنفاق والخداع، وتوارى الصدق، أصبح المخادع الكاذب سيداً، والحر الصادق  مجرماً يخضع للعقاب.. كم أمقته، أبغضه، أرفضه.. سامحينى حبيبتى لا..لا..لا.. لن أولد .. لن أُولد فى هذا العالم.. لن احتمله، لن أعيشه.. هذا ليس عالمى.

تجهش الأم بالبكاء، وتهمهم: يا نفسى كيف ألومك أو أعاتبك أو أحاسبك، يا ويلتى أجنينٌ يحمل هموماً.     

أى آثام ارتكبتها فى حقك؟ أى جرم اقترفته؟

لا..لا..أنت لست آثمة.. بل أناس نسوا أنهم بشر، قتلوا الحياة  وسفكوا الدماء تملّكهم  الشر والطمع و الجشع، تجردوا من كل مشاعر الانسانية...

- لقد أبرأتنى من جرم ظننتُ أننى ارتكبته، لكن الآن أصبح الهم يسكننى وتبدل فرحى حزناً.. لقد أعيانى ما سمعته، كسرنى..فأنا لست أنا.

الجنين مسترسلاً اتظنين أن الأجنة لا تدرك؟! ما يجرى فى عالمكم  تسرب الى نفسى جعلنى أسمع وأرى، ويضيف مازحاً: على فكرة الدكتور ضحك عليكى وقالك شعرى أشقر..لا، بل هذا شيب.أتوسل لك، أتركينى فى مكانى.

يأتى الأب فجأة.. يسمع عويلاً ولطماً تهرول نحوه الأم وتتشبث بذراعيه: ألحقني، ابنك لن يولد فى هذا العالم.! مش عايز ييجى!

-انتى بتقولى أيه.؟! إبنى مين؟!

الأم: ابنك اللى عايز تسميه على اسم أبوك مش جاي، بيقول لن أولد فى هذا العالم.

الأب ينظر إليها  فى ذهول نظرات يمتزج فيها القلق والحيرة بالانزعاج والاندهاش و الارتباك، ويهمهم متوجساً خيفة ان يكون قد أصابها مس: هو أنت لامؤاخذة خلاص عباسية؟!

تتشبث بذراعيه أكثر وتصيح: أنا مش مجنونة والله ده اللى حصل.

يجلسها محاولاً أن يهديء من روعها، ويجس جبينها لعل درجة حرارتها مرتفعة ولا تدرك ما تقوله فيهمهم: لا بالعكس ديه متلجة.

يحضر لها كوباً من الليمون المثلج قائلاً: يبدو أنك لم تنامى جيداً  أو مرهقة.. اشربى .. استلقى،  ريلاكس ..ريلاكس...ريلاكس.

الأم بصوت خافت يتقطع: والله أنا لا تعبانة نفسياً ولا باخطرف ...

إبنك رافض عالمنا  فعلاً.

الأب: جبتى الكلام ده منين؟!

هو قاللى لن أولد فى هذا العالم.

مين اللى قالك؟! تانى قالك محاولاً أن يبدد ملامح الخوف و القلق مبدياً التماسك: انتى هتجننين ى ...يارب الصبر من عندك هو بينطق فى بطنك؟!

ماهو اللى بيجرى فى الدنيا يخلى الحجر ينطق، أهو جنين نطق،جرب بنفسك قرب من بطنى واسأله.

متظاهراً بانه يجاريها يقترب برأسه مترددأ ومتلجلجاً يضع أذنه على بطنها يبتلع ريقه: حبيبى أنت فعلاً رافض عالمنا ولا تحب أن تأتى إليه؟

صوت الجنين حزين نعم لن أولد فى هذا العالم.

الأب لايكاد يصدق أذنيه.. يرفع رأسه خائفاً، ثم يعود ويضعه على بطنها ثم يرفعه ويضعه مرة أخرى محاولا محاورة الجنين: لقد جهزنا لك كل ما تحتاج ملابس جميلة، أشترينا لك أغلى وأشيك ملابس، وعملنالك حجرة مخصوصة كل شئ  جميل ولعب.. ولما تكبر ستدخل أحسن مدارس دولية.. كل ما تطلبه رهن إشارتك.. موبايلات.. لاب.. عربية، هأعملك عالم جميل.

لا لا، ليس هذا ما أحتاجه.. ليس هذا ما يكفي لأن أولد.

أنت رافض إيه بالضبط؟!

أرفض حروباً اندلعت فقلبت أوطاناً راساً على عقب.. هل تقوى أن ترانى ممزقاً تحت وطأة قصف؟ أو محترقاً بالنيران او طريداً بلا وطن أو مأوى؟ أرفض ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، أرفض الطمع والجشع الذى تمكن من النفس البشرية، كم من حكام جاروا على شعوبهم وتركوهم فى مسغبة الجوع وجعلوا منهم فريسة لمن لا يرحم، هل تتحمل إذا ما عجزت عن تلبية أبسط حقوقى، فقد تبحث عن علبة لبن  تعنى لى الحياة ، فلاتجدها، وربما أتألم  أمامك ولا تعثر على دواء لي.. اتركونى فى عالم لم تدنسه أصابع البشر.

الأب يصمت حزيناً، تتداعى فى مخيلته مشاهد لأطفال تتهاوى أجسادهم تحت وطأة النيران، جثث لأطفال فارقوا الحياة بعد قصف بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم، أجسادضعيفة نحيلة هزيلة إثر المجاعات والحروب، مشاهد لمؤامرات دنيئة على الأوطان، مشاهد للخزى والعار والتخاذل.

الأب والأم يشعران بالعجز والقهر يتعانقان.. يبكيان.. يتوجعان ويصيحان: كيف يولد فى هذا العالم؟ وينفجر العويل ثم فجأة يصمتان وتبدو عليهما ملامح الاصرار والعناد ثم يتشبثان ببعضها و يصرخان: لا ، لا ضعف، لاعجز، لا تخاذل بعد اليوم، حتما سنواجه كل قوى الظلم، لا بد للخير أن ينتصر، والحق ان يسود، والظلم أن يُقهر، والعدل أن يظلل على الإنسانية.
------------------------
بقلم: راضية يوسف

أهم الأخبار

اعلان